حسن الأمين
168
مستدركات أعيان الشيعة
النبي ( ص ) ، انطلاقا مما كان للبيت الذي عاش فيه من دور في نشوء الدولة الإسلامية الأولى ، وكان لديه من الصفات الشخصية والاجتماعية المميزة ، سواء تمثلت بقامته الطويلة أو بجوده المفرط أو بشجاعته اللافتة أو بحزمه الموصوف ، أو برأيه النافذ ، ما كان يؤهله لموقع قيادي ، سرعان ما تبوأه عن جدارة في أيام النبي ( ص ) وفي عهدي الإمامين علي ( ع ) والحسن ( ع ) . على أن قيسا برغم وصف الروايات التاريخية له ، بأنه « صاحب راية الأنصار مع رسول الله ( ص ) ، لم يكن في الصفوف الأولى من قيادات المدينة في ذلك الحين ، ربما لأن الدور الأساسي في بيته وفي قومه كان معقودا لوالده ، الذي عهدت اليه مهمات كبيرة ، عسكرية أو إدارية . ولكن اسمه أخذ في البروز منذ السنة الثامنة للهجرة ، وفي وقت تجاوزت فيه المدينة مرحلة السرايا إلى الغزوات ، حيث شارك في غزوة الخبط التي قادها أبو عبيدة بن الجراح ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار كما تردد اسمه في السنة نفسها ، عندما بعثه الرسول بعد منصرفه من الجعرانة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صداء » . وقد كان لهذه المهمة نتائج باهرة على صعيد انتشار الإسلام في هذه المنطقة ، حيث سارع أهل صداء إلى إيفاد رجل منهم على الرسول ( ص ) بعد إنجاز قيس معسكره في أربعمائة من المسلمين بناحية قناة ، قائلا له فيما يرويه ابن سعد : « جئتك وافدا من ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي ، فردهم رسول الله ( ص ) ، فقدم منهم على رسول الله ( ص ) [ على ] من وراءهم من قومهم ورجعوا إلى بلادهم ، ففشا فيهم الإسلام ، فوافى النبي ( ص ) مائة رجل منهم في حجة الوداع » . ويتابع قيس دوره لصيقا بالنبي ( ص ) في تلك السنة - المنعطف من تاريخ الإسلام التي شهدت لأول مرة خروج الدولة من دائرتها الحجازية ، والاتصال بالقبائل العربية في الشام ( حملة مؤتة ) ، وما شكله ذلك من إرهاص لإعادة النظر في التوازن السياسي الولي في المنطقة الشامية . وتتوجت هذه السنة ( الثامنة ) بأول الفتوح في الإسلام ، وهو فتح مكة ، ومعه القضاء على رموز المجتمع الوثني و « قيمه » ، حيث تردد اسم قيس في إحدى الروايات ، بان النبي ( ص ) دفع إليه الراية التي كان يحملها والده ، بعد ما بلغه عن الأخير من « كلام في قريش وتوعد لهم » ، خلافا للسائد عن هذه الحادثة في معظم الروايات كما سبقت الإشارة . موقفه من السقيفة ولم تشر الروايات إلى دور قيس في السقيفة ، باستثناء ما ورد في « الإمامة والسياسة » من خلط بين اسمي قيس بن سعد وبشير بن سعد الذي كان من سادات الخزرج أيضا وأول من بايع الخليفة الأول من الأنصار . وقد تفاوتت حين ذاك المواقف لدى هؤلاء ، ما بين مؤيد أو متلكئ أو مثبط ، حيث يفترض اندراج قيس في الفئة الأولى ، ولكنه على الأرجح لم [ بجار ] يجار أباه في الحماسة المشروعة ، مدركا بثاقب نظره ما يحيط به من صعوبة وما يثيره من معارضة لدى المهاجرين ، الذين تعزز حضورهم في الدولة ، بعد فتح مكة ، وما أدى اليه ذلك من توحيد للجبهة القرشية بجناحيها المهاجر وغير المهاجر حول قضية السلطة . وقد يؤيد هذا الرأي وجود قيس خلافا لوالده - في معترك الأحداث التي شهدها العهد الراشدي الأول ، لا سيما المشاركة الفاعلة في معركة اليرموك ، حيث ورد اسمه مفاوضا عرب الشام وقائدهم آخر « ملوك » الغساسنة ، جبلة بن الأبهم ، واضعا الأخير بين خيار الإسلام ومراعاة « صلة الرحم » ، وبين خيار الحرب التي أصر عليها جبلة ، مما دفع خالد بن الوليد إلى قتالهم ، و « انتخاب ستين رجلا من أصحاب رسول الله ( ص ) معظمهم من الأنصار . وكان فيهم قيس بن سعد » ، حسب الرواية التاريخية . - الدور الريادي في عهد أمير المؤمنين ( ع ) - ولا يلبث قيس وقومه أن يتراجعوا إلى الظل في عهد الخليفة عثمان ، الذي لم يتسع المجال فيه لغير الأقرباء والمقربين ، باستثناء قلة قليلة من الأنصار تعاطفت مع الخليفة واندرجت في « حزبه » بعد مقتله ، كان يمثلها خاصة حسان بن ثابت والنعمان بن بشير . وكان من نتائج تلك السياسة التي انعكست سلبياتها بصورة خاصة على الأنصار في معقل دارهم بالمدينة ، انهم لم يبالوا بالأحداث التي شاهدتها الأخيرة . ولم يسوغوا لأنفسهم التدخل في مسار التطورات التي بدت لم غير مجهولة . ولكن الأنصار لم يستمروا طويلا خارج الدور الذي سرعان ما انخرطوا فيه ، مع مجيء خليفة ( علي « يتعاطفون معه في الكثير من الأمور ، فإذا بهم أركان العهد الجديد ، وزعيمهم قيس بن سعد ، موضع ثقة الخليفة . يعهد اليه بالمهمات الصعبة والدقيقة . فقد كان أحد الذين تولوا المفاوضة مع قبائل الكوفة ، بغية » استنفارها « للقتال ضد حركة البصرة . ولكن الروايات لا تخلو من التباس ، يتعلق بأسماء المفاوضين الذين ربما ترددوا أكثر من مرة على الكوفة في هذا السبيل . ولعل قيسا لم يكن مشاركا في الوفد الأول الذي ضم - حسب معظم الروايات - كلا من الحسن ( ع ) وعمار بن ياسر ، بينما تفردت إحدى الروايات بإيراد اسمه في وفد يرجح أنه الثاني ، ضمه وعبد الله بن عباس ، إلى جانب الاثنين السابقين . وقد أدت هذه المهمة إلى حسم الموقف الكوفي ، الذي شابه شيء من الارتياب ، نتيجة للدور الغامض الذي قام به آخر ولاة المدينة في العهد السابق . ( 1 ) وهكذا برز قيس بين قادة علي ( ع ) الرئيسيين ، حيث المهمة الأولى التي تولاها ، لم تكن أمرا بسيطا في ذلك الحين ، وإنما كان لها تأثير كبير في تطورات المرحلة المعقدة ، حيث التأييد الكوفي للعهد الجديد ، أسفر عنه خروج الخلافة من الحجاز ، فضلا عن تعديل الموازين العسكرية في البصرة التي لم تكن في البداية لمصلحة علي ( ع ) ، كما أدى إلى تفوق جبهته في صفين حتى إعلان التحكيم وبداية التراجعات التي أورثتها هذه المسألة . ذلك ان الكوفة ارتبطت مصيريا بالاتجاه الذي مثله علي وأبناؤه ( ع ) من بعده ، وأصبحت قاعدة التشيع السياسي الذي اصطبغ أو كاد بالصبغة اليمنية . حيث الغالبية الساحقة من قبائلها تحدرت من أصل يمني ، مثل همدان وكندة وخزاعة والأزد ومذحج وفرعها نخع وبجيلة ، وغيرها من القبائل التي خاضت صراعا عنيفا تحت هذه الراية ضد السلطة الأموية . ولعل ما يمكن استنتاجه من هذا البروز المبكر لقيس في هذا العهد ، ان العلاقة مع خليفته كانت على ما يبدو قديمة ، على نحو بدا في علي ( ع ) ، عارفا صاحبه عن كثب ومكتشفا كفاءته وإخلاصه بعيدا عن السلطة . وقد جعله ذلك موضع ثقة الخليفة الذي اختار مساعديه وفقا لهذا النموذج ، في دولة اهتزت مصداقيتها في ظل النموذج الآخر . ومن هذا المنظور ، كان يتم اختيار الرجل المناسب في مناي عن الاعتبار الاجتماعي ، على أن يحوز الشروط المطلوبة التي يأتي في صدارتها ، الولاء النقي والتجرد الشديد والالتزام الصارم ، فضلا عن تطويق الخليفة له بالوصية - العهد ، عشية خروجه إلى مهمته . وكان ذلك مما اشتهر به علي ( ع ) ، حيث كانت عهوده إلى أصحابه - لا سيما عهد الأشتر المعروف ، بعد تعيينه واليا على مصر - تمثل مدرسة في الفكر السياسي ، كان الخليفة الراشدي الرابع من مؤسسيها وروادها الكبار في الإسلام . قيس بن سعد واليا على مصر وهكذا يتخذ قيس بن سعد طريقة إلى مصر ، ومعه عهد الخليفة : « سر إلى مصر فقد وليتكها وأخرج إلى رحلك واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتيها ومعك جند ، فان ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك ،
--> ( 1 ) أبو موسى الأشعري .